أحمد بن محمد المقري التلمساني

397

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الأموال ، ثم عاد المسلمون لحصارها ، وضيقوا عليها ، وطمعوا فيها من جهة موضع كان النصارى في غفلة عنه ، ودخل على النصارى « 1 » جملة وافرة من المسلمين ، وخاب السعد بذلك بأن شعر بهم النصارى ، فعادوا عليهم ، وتردّى بعضهم من أعلى الجبل ، وقتل أكثرهم ، وكانوا من أهل بسطة ووادي آش ، فانقطع أمل الناس من الحامة ، ووقع الإياس من ردها . وفي جمادى الأولى من السنة تواترت الأخبار أن صاحب قشتالة أتى في جنود لا تحصى ولا تحصر ، فاجتمع الناس بغرناطة ، وتكلموا في ذلك ، وإذا به قد قصد لوشة ونازلها قصدا أن يضيفها إلى الحامة ، وجاء بالعدة والعدد ، وأغارت على النصارى جملة من المسلمين ، فقتلوا من لحقوه ، وأخذوا جملة من المدافع الكبار ، ثم جاءت جماعة أخرى من أهل غرناطة ، وناوشوا « 2 » النصارى ، فالجؤوهم إلى الخروج عن الخيام ، وأخذوها وغيرها « 3 » ، فهرب النصارى ، وتركوا طعاما كثيرا وآلة ثقيلة ، وذلك في السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة المذكورة . وفي هذا اليوم بعينه هرب الأميران أبو عبد اللّه محمد وأبو الحجاج يوسف خوفا من أبيهما أن يفتك بها بإشارة حظيته الرومية ثريّا ، واستقرا بوادي آش ، وقامت بدعوتهما ، ثم بايعتهما تلك البلاد المرية وبسطة وغرناطة ، وهب أبوهما السلطان أبو الحسن إلى مالقة . وفي صفر سنة ثمان وثمانين وثمانمائة اجتمع جميع رؤساء النصارى ، وقصدوا قرى مالقة وبلش ، في نحو الثمانية آلاف ، وفيهم صاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب إستجة وصاحب أنتقيرة « 4 » وغير هم ، فلم يتمكنوا من أخذ حصن ، ونشبوا في أوعار « 5 » ومضايق وخنادق وجبال ، واجتمع عليهم أهل بشل ومالقة ، وصار المسلمون ينالون منهم في كل محل ، حتى بلغوا مالقة ، ففر كبيرهم ، ومن بقي أسر أو قتل ، وكان السلطان أبو الحسن في ذلك الوقت قد تحرك لنواحي المنكب ، وبقي أخوه أبو عبد اللّه بمالقة ومعه بعض الجند ، وقتل من النصارى في هذه الوقعة نحو ثلاثة آلاف ، وأسر نحو ألفين من جملتها خال السلطان وصاحب إشبيلية وصاحب شريش وصاحب أنتقيرة « 6 » وغيرهم ، وهم نحو الثلاثين من الأكابر ، وغنم المسلمون غنيمة وافرة من الأنفس والأموال والعدة والذهب والفضة ، وبعقب ذلك سافر أهل مالقة لبلاد النصارى ، فكسروا هنالك كسرة شنيعة قتل فيها أكثر قواد غرب الأندلس .

--> ( 1 ) في ه « ودخل مع النصارى » . ( 2 ) في ه « وفارشوا النصارى » . تحريف . ( 3 ) في ه : زيادة كلمة « وقتلوا » بعد « وغيرها » . ( 4 ) كذا في أ ، ب ، ه . وفي ج « النقيرة » . ( 5 ) أوعار : جمع وعر . ( 6 ) في ج « النقيرة » .